اسعد الله اوقاتكم بكل الخير والمودة. اهلا وسهلا بكم في قناة سوق الحكايات والقصص. قصتنا اليوم بعنوان الشيخ والاخوة الثلاثة وهي من القصص الخيالية المعبرة والمشوقة.
ارجو ان تنال اعجابكم. ضع السماعات اغلق عينيك. واستمع.
واستمع. كان يا مكان في قديم الزمان وفي سالف العصر والاوان. ولا يحلو الكلام الا بذكر الرحمن.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الانام. كان يعيش في قرية صغيرة ثلاثة اخوة. اكبرهم يسمى علوان.
واوسطهم يدعى زعفان. اما الاخ الاصغر فكان معروفا باسم بسام. مات والدهم منذ سنين عديدة ولم يترك له من الرزق شيئا.
فاصبحوا بعده يجاهدون جهادا كبيرا لكسب لقمة العيش. فهم لا يستصعبون اي عمل يطلب منهم. ولا يحتقرون اي مبلغ من المال يعرض عليهم.
ظلوا اعوام كثيرة يتنقلون من عمل الى عمل. يدعوهم ذلك الفلاح لمساعدته في حفر ارضه وتخطيطها او جني ثمارها. او تقليم اشجارها.
فيقبلون دعوته مبتسمين راضين. ويأمرهم احد التجار بنقل سلعة الى احدى القرى المجاورة. فيقبلون على ذلك بكل ما وهبهم الله من قوة وحزم.
وهم دائما لا يميلون الى الراحة ولا بجهد. وكان سلوكهم هذا قد جعلهم محترمين في قريتهم. موفوري الكرامة بين اهلها وموضع ثقتهم واعجابهم.
لكن الاخ الاصغر كان يخفي على اخويه منذ مدة تبرمه من الحياة التي يعيشها معهم. فقد كان ذا طموح لا يحد ونفس عزيزة تكره الضعف والذل. وتطوق الى العز والرفعة.
وفي ليلة مقبلة من ليالي الصيف. انهى الاخوة الثلاثة عملهم وعادوا متعبين الى كوخهم الحقير. وبعد ان وصلوا واصابوا شيئا من الطعام تمددوا على حصير بال فرشوه امام الكوخ.
واستسلموا لراحة لذيذة بعد عمل متعب تواصل كامل النهار وجزءا من الليل. واغتنم بسام سكوت اخويه وقال لهما. اني لا اخفي عليكما انني بدأت اسأم هذه الحياة التي نحياها منذ مدة.
وارى من الواجب ان نفكر في انفسنا وفي مستقبلنا قبل غيرنا. ولابد لنا من السعي لتحقيق حياة افضل. ما رأيكما?
صمت الجميع هنيهة ثم اجابه الاخ الاوسط. كل ما تقوله صواب. ولكن ما عسانا نفعل ونحن لا نكسب قوت يومنا الا بعد عناء شديد وعمل مضن.
ومن الواجب في مثل هذه الحال ان نتضرع بالصبر. ونكتفي يضر به علينا عملنا. ولعل الحياة تتغير يوما فتبتسم لنا الايام وتذيقنا حلاوة الهناء بعد مرارة الشقاء.
ثم التفت بسام الى اخيه عنوان وقال له وانت يا اخي ما لك واجما صامتا لا تقول شيئا. فاجابه علوان بعد ان استوى جالسا. الحقيقة ان كل ما تقولانه لا يروقني.
فانتما طموحان اكثر مما ينبغي. تحلمان بتحقيق اشياء فوق قدرتنا. وتعللان النفس باوهام بعيدة عنا كل البعد.
ان عملنا الذي نقوم به كل يوم له عمل شريف لا عيب فيه. فلماذا تريد يا بسام الابتعاد عنه. خير لنا ان نبقى على حالتنا من ان نخسر كل شيء.
فقال بسام اذا كنت انا طموحا اكثر مما ينبغي. فانت ايضا قنوع اكثر مما ينبغي. هل نسيت اننا عالة على غيرنا؟ هل نسيت اننا دائما تحت رحمة اولئك الفلاحين والتجار ننتظر منهم بلهفة تكاليفنا باي عمل مقابل مبلغ زهيد؟ اليس من الحكمة ان نضمن لانفسنا مستقبلا سعيدا؟ والى متى سنبقى على هذه الحال؟ ماذا سنفعل اذا اقعدنا يوما مرض او كبر عن العمل؟ ماذا سنقتات ومما سنعيش؟ اليس من الصواب ان ندخر لغدنا المجهول شيئا.
ما كاد بسام ينتهي من كلامه هذا ومن القاء تلك الاسئلة المحرجة على اخويه. حتى لاح من بعيد شبح يكتنفه الظلام. يمشي بخطى ثقيلة متجها نحو كوخ الاخوة الثلاثة.
مهتديا باشعة فاترة كان يرسلها القمر المتلألئ في السماء. وفي هذا الوقت نهض زعفان وحدق ببصره نحو ذلك الشبح الذي ما زال ثم قال لاخويه من ترى القادم الينا في هذا الوقت? يظهر لي انه شيخ عجوز فانا ارى بيمينه عصا يتكئ عليها وهو يمشي متثاقلا ومتحاملا على نفسه.
الا تظناني انه عابر سبيل ات ليقضي ليلته عندنا ليواصل مصيره في الغد? فاجابه علوان لا استبعد ذلك. ربما يكون كما قلت.
واهلا به على كل حال. وقف ثلاثتهم واخذوا يترقبون هذا الزائر الغريب. وما هي الا لحظات حتى وصل اليهم.
واذا به شيخ هرم تقوس ظهره وهزل جسمه. تغطي وجهه المتجعد لحية كثيفة بيضاء. وعندما وقف امامهم طرح عليهم السلام بصوت متهدج.
فردوه باحسن منه. ثم دعوه الى الجلوس معهم. فلبى مبتسما وهو يلهث من شدة التعب.
وبعد ان استراح قليلا قال له زعفان الى اين تقصد ايها الشيخ. فاجابه الشيخ وهو يعبث بشعر لحيته. لست ادري يا ابنائي.
فانا منذ كنت شابا مثلكم لا اعرف الاستقرار يوما. ولم يعرف احد لي موضعا. فدائما اتجول من بلد الى بلد واسعى في ارض الله الواسعة.
لا يقعدني عن الا الظلام الحالك او التعب الشديد. وكان بسام الى جانب طموحه ميالا الى حب الاطلاع. فقال لي الشيخ في تعجب.
ولكن ما هي غايتك من ذلك? وماذا تعمل? فاجابه الشيخ.
غايتي الاولى من ذلك حب الاطلاع على اماكن لم اكن اعرفها من قبل. وفي هذا الحين تسلل علوان وولج الكوخة. ثم عاد منه ومعه كسرة خبز يابسة مع بعض الماء.
وعندما جثا امام الشيخ وقال لعلك جائع ايها الضيف. فهذا ما بقي لنا من عشائنا نقدمه اليك راجينا ان تتقبله منا. مد الشيخ كفه مبتسما وتناول ما بيد علوان من خبز وايدام وشرع يأكل بنهم ما بعده نهم.
وعندما انتهى مسح يديه بطرف ردائه وحمد الله وقال. جزاكم الله خيرا يا ابنائي. ولا اضاع لكم الله معروفا.
وبعد عرفوا ان الشيخ الجليل له خبرة بالحياة حكوا له عما كانوا يفكرون ويتحدثون في عملهم وجهدهم وتعبهم وماذا سيفعلون? وماذا عليهم ان يفعلوا ازاء ذلك? وان يحدثهم بخبرته الواسعة التي تعلمها من الحياة.
واطرق الشيخ في التفكير واضعا يديه وراءه واتكأ بهما على الارض وراح يحدق في السماء. والاخوة الثلاثة ينظرون اليه في هيبة وخشوع. لا يبدون حراكا ولا ينبسون بحرف.
وما هي الا لحظات. حتى خفض الشيخ رأسه ونفض ما **** بكفيه من تراب ونظر الى الاخوة. ثم قال لهم والبشر يعلوا وجهه.
هنيئا لكم ايها السعداء. فالايام تستعد للابتسام لكم بملئ فيها. فانتم كلكم محفوظون في هذه الحياة.
عندئذ هتف به الاخ الاصغر قائلا وهو لا يتمالك من شدة الفرح. اخبرنا ايها الشيخ اخبرنا ولا تترك الانتظار يعذبنا. ثم اردف الاخوان الاخران قائلين اصحيح ما تقول كيف ستبتسم لنا الايام ومتى?
طأطأ الشيخ رأسه وشرع يداعب لحيته الكثة ثم قال اسمعوا ايها الابناء اني ارى ان كنوزا ثلاثة تنتظركم. وسيكون لكل منكم واحد منها. اما اثنان سيزولان يوما وسوف لا يبقى منهما شيء.
وما اشد السلب بعد العطاء في هذا الوقت. اما الكنز الثالث فهو كنز خالد الى الابد. باق بقاء الدهر.
لا تناله يد الزوال ابدا. فابحثوا عن هذه الكنوز ان شئتم. قال زعفان للشيخ عندما انقطع عن الكلام.
هل لك ان تدلنا على موضعها على الاقل? اجابه الشيخ. ليس ذلك من ولكن يمكن لكم ان تغادروا هذا المكان وتضربوا في ارض الله الواسعة.
حتى تعثروا على ضالتكم وما اظنكم خائبين. واني ابتهل الى الله ان يسدد خطاكم ويوفقكم الى تحقيق ما تصبون اليه. نزل كلام الشيخ في نفس بسام نزول الطل على الزهرة الذاوية.
فلقد احس ان الامل بدأ يعاوده من جديد. ذلك الامل الذي طالما شغل نفسه به وعللها بتحقيقه. لم يكن هذا سوى تقريب ساعة الخلاص.
مما هم فيه من ضنك وشقاء. وبينما هو غارق في التفكير. اذ سمع اخاه علوان يقول للشيخ.
اتعتقد ان بحثنا عن الكنوز الثلاثة سيكلل يوما بالنجاح. اننا نخشى ان نجد انفسنا في النهاية وقد صرفنا مدة طويلة من عمرنا دون الوصول الى نتيجة. نظر الشيخ الى علوان نظرة حادة فيها لوم وعتاب وهم ان شيئا.
لكن الاخ الاصغر سبقه الى ذلك وقال ما اظن ضيفنا هذا الا صادقا فيما قال. وليس من الصواب ان نتهمه بالكذب. اذ ليس هناك ما يحمله على الكذب.
ومهما يكن من امر. فهذه اخر ليلة نقضيها هنا. وغدا نشد الرحال باكرا باحثين عن كنوزنا.
متوكلين على الله. اليس كذلك يا زعفان? وانت يا علوان اطرق لحظة ثم قال زعفان هي مغامرة لا تخلو من خطر.
لكن لا بأس من ان نقوم بها لنجرب حظنا. ولكن ما لاخينا علوان ذاهلا لا يشاركنا في حديثنا. فنحن في حاجة الى ارائه التي قد تفيدنا كثيرا.
افاق علوان من ذهوله ومط شفتيه ثم اطلق زفرة وقال في صوت يرشح تأثرا. رأيان يغلب رأيا واحدة لا محالة. والحقيقة انه رغم تخوفي مما سمعت فانا اوافق على ما ستقرراني ولن اعصي لكما امرا.
اطمأن بسام لكلام اخيه عنوان وعلت شفتيه ابتسامة عريضة وقال لم يبقى لنا الا ان ننام اخر ليلتنا هنا وعند الفجر نودع ضيفنا ونأخذ في سيرنا. قضى الاصغر ليلته في سوهاج يرقب النجوم الزاهي في ابتهاج. وما ان انبلج الصبح حتى قام الى اخويه يوقظهما فاذا هما مثله لم يعرفا للنوم طعما.
نهض الجميع ولبسوا نعالهم واستعدوا للرحيل. فقبل الاخوة الثلاثة الشيخ وودعوه وانصرفوا. ولم يكن معهم من زاد سوى كيس صغير مملوء بالطعام.
لذلك قرروا ان يقتصدوا كل الاقتصاد فيما لديهم من زاد. حتى يكفيهم اطول مدة ممكنة. فهم يعلمون انهم على ابواب رحلة يجهلون جميعا مدتها.
ها هم الاخوة الثلاثة يسيرون في تثاقل ويجرون ارجلهم جرا. فالتعب قد ارهقهم والعياء قد اخذ منهم مأخذة. وهم مع ذلك ماضون الى الامام لا يثنيهم عن تعاهدوا عليه فتور في ابدانهم او خوف في قلوبهم.
الزاد يوشك على النهاية. وهم لم يعثروا بعد على شيء. حتى كاد اليأس يمتلكهم.
وبعد مسير ثمانية ايام انتهى بهم المطاف الى غابة كثيفة الاشجار. متشابكة الاغصان. وها هو الليل قد اسدل جناحيه الاسودين على الكون وغمر البطاح.
وخيم سكون عميق لم يكن يقطعه بين الحين والاخر غير عواء الذئاب ونقيق الضفادع. اما القمر الذي كانوا يهتدون بنوره في ايامهم الاولى. فقد اختفى تماما عن ابصارهم وباتوا لا يعرفون اتجاهه.
فاثروا الاستراحة في هذا المكان خوفا مما يداهمهم من خطر اذا واصلوا السير. وعند الفجر قام بسام يتمشى في هذه الغابة. معجبا بما فيها من اشجار مختلفة ونباتات غريبة.
واذا به يرى فجأة حلقة صادقة من حديد. ملقاة على ارض. فانحنى ليأخذها لكنه وجدها مثبتة في مربع رخامي كبير.
وعند ذلك اقتلع ما كان حوله من عشب وازاح مكان يحيط به من حجارة صغيرة. وجثا على ركبتيه وراح يجذب الحلقة جذبا لكنه عجز عن ذلك. عندئذ نادى اخويه ليساعداه على ازالة ذلك الطبق الرخامي.
فهبا مسرعين. واخذ ثلاثته معالجته بعض الوقت حتى اقتلعوه من مكانه. وكم كانت دهشتهم شديدة حين رأوا ان تحت ذلك الغطاء الرخامي مدرجا طويلا يفضي الى غرفة صغيرة.
فنزلوا اليها جميعا وفتحوا ابوابها واذا بها صناديق كثيرة بعضها موضوع فوق بعض. فحاولوا فتحها وتوصلوا الى ذلك بعد عناء طويل. ولم يتمالكوا من شدة الفرحة لما ابصروا الصناديق تزخر باللآلئ البراقة.
وتمتلئ جواهر الخلابة. فاخذ علوان وزعفان يرقصان وهما يقولان. هذا احد الكنوز الثلاثة التي ذكرها لنا الشيخ.
ما اسعد يومنا وما اشد فرحتنا. نعم الان بدأت الحياة تبتسم. وستضحك اكثر عندما نعثر على الكنزين الاخرين.
ثم اخذوا يقلبون تلك الجواهر في غبطة لا تماثلها غبطة. وبعد ان انته ذلك. قال علوان لاخويه لا يسعنا في هذا الوقت الا ان نحمد الله على ما وفقنا اليه في هذا اليوم.
ونتمنى ان نعثر على الكنزين الباقيين في اقرب مدة حتى تتم فرحتنا الشاملة. والان هلم بنا نتفاهم في شأن هذا الكنز. فقال له بسام الامر على غاية من السهولة واليسر.
ذلك ان هذا الكنز واحد من ثلاثة. ونحن كما تعلمان ثلاثة. ومن الرشاد اذا ان يكون من نصيب واحد منا.
ولا يعقل ابدا ان نقتسمه. فقال زعفان صدقت يا اخي. ولكن من ترى سيأخذه منا.
فأجابه بسام. اما انا فلا انافسكما فيه. بقي اذا ان تتفاهما في شأنه.
تعجب الاخوان من كلامه وتساءلا كيف يعرض عن كنز نفيس كهذا ويصرف نفسه عنه. فقال له علوان عجيب امرك اخي. انا لم افهم لماذا ترفض الحصول على كنز نفيس كهذا.
وانت لقيت في سبيله من الاتعاب واقتحمت من الاهوال ما لا يوصف. واذا كان لابد من ان يناله واحد منا فانت اولى به. اذ لا ننسى انك انت الذي شجعتنا على القيام بهذه المغامرة.
وانت الذي اكتشفت الغطاء الرخامي الذي يحجب هذا الكنز عن الاعين. فما رأيك? اطرق بسام لحظة ثم قال انا لا انسى ان الشيخ قد قال لنا بكنوز ثلاثة.
ولا انسى ايضا ان اثنين منهما زائلان لا محالة. ومنتهيان يوما الى نفاذ. وان الثالث باق الى الابد.
وان كنزا كالذي عثرنا عليه اليوم لهو منتهي يوما الى الزوال. وان بدا لكما نفيسا غاليا. لانه يقعد بصاحبه عن العمل والكد والكسب ويعوده الكسل والميل الى الراحة.
وانما لن تأخذ منه تضيف اليه لهو سائر حتما الى الانتهاء والنفاذ. ولذلك نفضت يدي منه حالما رأيته. وان كان قد سرني كثيرا فهو اذا لاحدكما.
فمن سيكون صاحبه. فقال علوان وقد ازدادت دهشته. وهل تريد ان نتركه في مكانه وننصرف?
فاجابه بسام انا لم اقل ذلك. فاضاف علوان قائلا لزعفان ما العمل فهو اما لي او لك. فماذا سنفعل?
فاجابه سعفان في هدوء. هو لك ان شئت. فانت اخونا الاكبر اولى به مني.
فانتفض علوان من شدة الفرح وقال شكرا لكما يا اخوي فلقد اثرتمان على نفسيكما وساعرف كيف انفق من هذا الكنز بحول الله. فقال له بسام نهنئك به. ونأمل ان تقر به عينك.
وتحقق به الامنيات اعزها ومن الغايات ابعدها. اما نحن فسنمضي في سبيلنا ونواصل سيرنا ليجد كل منا كنزه المنشود مثلما وجدت. فقال علوان يعني انكما ستذهبان عني ومن يدري هل سنلتقي يوما ام سيكون فراقنا ابديا لا لقاء بعده.
ربك اخوه الاصغر على كتفه وقال في تأثر بالغ. لا بد ان يا اخي. وفي سبيل العيش والكسب يهون كل شيء.
وهل ترضى ان نبقى عالة عليك لا نملك شيئا في حين انك صرت صاحب ثروة طائلة. ولعل الله يوفقنا الى تحقيق ما نبتغي. وعندها نعود اليك فنضم الى كنزك كنزينا لنعيش من جديد في رغد وهناء.
وقبل ان نودعك نلتمس ان تمنحنا لؤلؤة واحدة مما لديك نبيعها في طريقنا ونقتات بثمنها. لم يبخل علوان على اخويه بما طلباه. فسرعان ما دفع يده الى اقرب صندوق اليه وسلم لهما لؤلؤة ثمينة.
ثم وقف ثلاثتهم واخذوا يحدقون في وجوه بعضهم. لقد انت ساعة الفراق. فاغرورقت عيونهم في وقت واحد بالدموع.
واجهشوا بالبكاء. وارتمى كل على الاخر يقبله ويشبعه لثما وعناقا. ثم خرج الاخوان بسام وزعفان.
واخذا في السير تاركين اخاهما علوان في حال اقرب الى التألم لفراق اخويه منها الى الفرح بالعثور على الكنز النفيس. اخذ عنوان بعد ان غاب اخواه عن ناظريه يفكر في شأن كنزه العظيم. وشرع يضبط كل الاعمال التي ينبغي ان يقوم بها للانتفاع بالكنز في اقرب مدة.
وما هي الا اشهر قلائل حتى شيد في المكان قصرا فخما وجعل فيه من الخدم ما لا يعرف هو نفسه عدده. واصبحا يحيا حياة مترفة ملؤها اللهو والقصف والميل الى الراحة. اما اخواه الاخران فبعد ان وداعاه اخذا طريقهما وعقدا العزم على مواصلة السير الى النهاية.
فلم يكن شيء من الاشياء بقادر على الحد من ثباتهما. وظلا كثيرا ولا يستريحان الا قليلا. غير مباليين بالشمس المحرقة التي تلفح وجوههما.
وبالذئاب التي يتعالى عواؤها كل ليلة. وما انقطعا عن السير يوما بعدما تمزقت نعالهما ودميت اقدامهما. الا انهما كانا يفكران في شيء واحد كثيرا ما ملأ قلبيهما خوفا وجزعا.
الا وهو زادهما الذي يوشك على الانتهاء. لكن الله يسر لهما امرا وجعل لهما مخرجا. فقد اعترضتهما بعد انتهاء الزاد بيوم واحد قافلة طويلة متألفة من عدد من الابل لا يحصى.
فاستوقفا نفرا ممن كان يقودها. وعرضا عليه اعطاء اللؤلؤة الثمينة التي معهما مقابل بعض الزاد. فرضوا بذلك واثقلوهما بما قدرا على حمله من الطعام والشراب والماء.
وانطلقا وقد زادهما الحصول على قوت جديد نشاطا وحزما. فاخذا يحثان الخطى اكثر من ذي قبل. رغم التعب الشديد الذي كانا يشعران به.
وفيما هما سائران قال زعفان لاخيه بسام. مضى على فراقنا لاخينا علوان اكثر من الشهر. ونحن لا نزال نمشي دون ان نمر بمسكن اهل او قرية صغيرة.
الحق يقال انني اكاد اهوي الى الارض من شدة التعب. فاجابه بسام مشجعا. تدرع بالصبر يا اخي.
فالله يحب الصابرين. ولا اظن ان انعزالنا عن الناس سيطول اكثر مما طال. انظر الى ذلك الجبل الشامخ المكلل بالاشجار.
اعتقد ان وراءه اناسا يعيشون هناك. وسوف نصل اليهم قريبا لنستريح يوما كاملا بجوارهم. نستجمع ونواصل رحلتنا بعد ذلك.
وبعد هنيهة لمح الاخوان الشمس تختفي وراء ذلك الجبل في حمرة كالارجوان. ثم انتشر الظلام واضاءت النجوم وساد الكون سكون رهيب. اما الاخوان فقد ظلا يحثان الخطى في عزم وحماس وفي نفسيهما ظمأ شديد الى معرفة ما وراء ذلك الجبل الشاهق.
بدأ الليل اذياله وبدأت الظلمة تبهت قليلا في الوقت الذي اشرف فيه الاخوان من اعلى قمة الجبل. ورأيا مدينة عظيمة جاثمة عند السفح. يحيط بها سور مرتفع من جميع الجهات.
عند ذلك احس الاخوان بموجة من السرور العارم تغمر قلبيهما. وانحدرا يجريان ليجدا نفسيهما امام باب حديدي ضخم ما زال مغلقا. لا شك انه باب هذه المدينة العظيمة.
وفي هذه الساعة بدأ يتناهى الى سمعيهما ضجيج عال وجلبة مرتفعة انطلقا من المدينة المغلقة. يصحبهما عويل وصراخ. وارهفا السمع فلم يفهما من الاصوات المختلطة التي كانت تتناثر في الفضاء شيئا.
ثم جلسا على صخرة كبيرة كانت بالقرب من الباب وبقيا ينتظران بفارغ صبر ساعة فتحه. غير ان ما انفكت تشتد والصراخ ما فتئ يحتد ويعظم ويتعالى. فزال اغتباطهما واطمئنانهما وحل محلهما خوف ووحشة وهما يقولان.
ترى ماذا حدث في هذه المدينة. وفجأة سمعا وقع سنابك بعض الخيول يشتد شيئا فشيئا. ويقترب منهما.
واذا بالباب يفتح بقعقعة ويطل منه فرسان اربعة ممتطين خيولا جامحة يكاد يعجز لجام عن كبحها. وما ان وقعت عين احد الفرسان الاربعة على الاخوين حتى صاح بحدة مشيرا اليهما. ها هما رجلان لنعد بهما حالا الى الوزير.
وفي لمح البصر. نزل فارسان منهما واركبا الاخوين معهما وعاد الفرسان الاربعة من حيث اتوا وراحوا ينهبون الارض نهبا. وبعد حين وصل الجميع الى قصر عظيم.
فانزلوا وادخلوهما الى احدى الغرف واوصدوا الباب وراءهم. عقد الخوف لسان كل من زعفان وبسام منذ ان زج بهما في هذه الغرفة. واخذا ينظران الى بعضهما تارة والى ما في الغرفة من اثاث انيق تارة اخرى.
وارافا السمع الى ما يدور في الخارج من حديث. فلم يفهما غير جملة واحدة تتردد بكثرة وهي. لقد مات اننا خسرنا فيه رجلا شهما وحاكما عطوفا عادلا.
عند ذلك استطاع الاخوان ان يفهما شيئا. واعتقداه انهما اتهما بقتل الملك. وايقنا انهما سيقتلان لا محالة في هذه المدينة التي لا يعرفها فيها احد.
ثم قال زعفان لاخيه. اسمعت ما يقولون ان ملكهم قد مات. ولا شك انهم سيأخذون بثأرهم منا.
ظانين ان يدا في موته. يا للمصيبة التي حلت بنا. اترانا فارقنا قريتنا وتحملنا المشاق والاتعاب لنموت هنا?
يا له من كنز طمعنا في العثور عليه. فاجابه بسام. نعم.
لقد سمعت ما يقولون. ولكن نحن بريئان بدليل انهم وجدونا خارج مدينتهم قبل ان يفتح بابها. وسنحاول اثبات براءتنا بهذه الحجة.
ومهما يكن امر. فتأكد ان الحق يعلو ولا يعلى عليه. وان الله سيكون معنا.
في هذا الوقت سمع الاخوان الباب يفتح فسكتا. ودخل عليهما جماعة توشي صدورهم اوسمة ذهبية لا شك انهم حاشية الملك المتوفى. وقال احدهم للاخوين.
لعلك ما سمعتما بموت ملكنا المعظم. فاجابه بسام سمعنا بذلك ولكن لماذا اتيتم بنا الى هذا المكان اتتهموننا بقتله ونحن بريئان? فاجابه احد افراد الحاشية.
نعلم علم اليقين انكما بريئان لان الملك مات موتة طبيعية فجر هذا اليوم. فلا تخافا اذ لسنا نريد قتلكما كما تتوهمان. بل بالعكس فنحن لم نرد بكما الا خيرا.
وسيكون احدكما سعيد الحظ حقا. فسأله عفان وقد زال خوفه واطمأن. كيف ذلك ايها السيد المحترم?
فقال له اننا فوجعنا هذا الصباح في اعز عزيز لدينا. اختطفته المنية وتركت شعبه يبكيه ويندبه بحرقة. وليس هذا الشخص الذي فقدناه سوى ملكنا المحبوب.
رحمه الله رحمة واسعة. وان تسألان عن سبب المجيء بكما الى هنا اخبركما ان من عادات سكان هذه المدينة العريقة انهم عندما يموت ملكهم او يطيحون بعرشه لسوء تصرفه. يخرجون في الصباح الباكر واول رجل غريب عن المدينة يلاقونه يجعلونه عليهم ملكا ويبايعه الناس في اليوم الموالي.
ولعلكما فهمتما الان ان احدكما سيصبح ملكا على هذه المدينة. فمن منكما يقبل ذلك. اشتد استغراب الاخوين وازدادت دهشتهما.
يتراسلان باللحاظ دون ان يتكلما. ثم قال احد افراد الحاشية لمن معه. لا شك ان كلا منهما يريد الملك لنفسه.
فلنتركهما في غرفتهما ولنعد اليهما بعد حين لنعرف من سيكون منهما الملك. ثم اوصدوا الباب بلطف وانصرفوا. وعند ذلك التفت زعفان الى اخيه بسام وقال مبتسما.
عجيب امر هؤلاء القوم. واعجب منه نظامهم. كنا نطمع بالنجاة من الموت واذا بالملك يعرض علينا.
ثم قال بسام اظن انه الكنز الثاني الذي وعدنا به ذلك الشيخ. وهو ليس كالاول لانه لا يقبل الاقتسام. فمن سيكون منا الملك.
اترضى انت يا زعفان. فاجابه زعفان انت اولى بالملك مني. لانك اكثر ذكاء وارجح تفكيرا واعظم قدرة على تصريف الشؤون.
وخاصة الدولة ولهذا لا تمانع اذا دخل علينا القوم ولا تنس ما قلت لك. اما انا فحسبي من الملك الذي ستناله ان تستوزرني وان تجعلني من افراد حاشيتك المقربين. على الاقل اطرق بسام هنيهة ثم قال لا يمكن ابدا ان اقبل ذلك.
ولا اشك ان منصب الملك الذي عرض علينا احد الكنوز الثلاثة. ولكنه مع زائل كسابقه. وسوف ينتهي يوما لا محالة.
وان ملكا اعطيته على هذه الصورة لهو منتزع منك اجلا او عاجلا. وان قوما رأسوك عليهم دون ان يعرفوك او يختبروك ويمتحنوك لمطيحون بتاجك في الوقت الذي يشاؤون ليعوضوك باي غريب يفد عليهم. واذا لم يكن بد من قبول هذا المنصب فاني الح ان تقبله انت.
واهنئك به من الان. سكت زعفان ولم يقل شيئا. ففهم بسام انه رضي بما قال.
وقبل ان يصبح من الغد ملك هذه المدينة العجيبة. وفي هذا الوقت فتح الباب وتقدم افراد الحاشية الى الاخوين وقال احدهم. من منكما اصبح ملكنا الجديد.
فاجابه بسام مشيرا الى اخيه. انه اخ زعفان. ويمكن لكم ان تثقوا به من الان.
فهو ذكي مدبر وحازم ناشط. عند ذلك تقدم افراد الحاشية وقبلوا يمينه. ثم قال الوزير الاكبر للملك الجديد.
قد تم كل شيء على احسن حال. وغدا يحتفل الشعب بمبايعتك وتنصيبك. فالى الغد ايها الملك المعظم.
مع مطلع الفجر. بدأ المدينة يتوافدون على القصر فرادى وجماعات يدفعهم الشوق الى رؤية ملكهم الجديد. وما ان بدأت الساحة تخص بجموعهم الغفيرة حتى لاح الملك زعفان من شرفة القصر.
وهو يرتدي ثيابا مطرزة بالذهب وعلى رأسه تاج مرصع باللآلئ البراقة اللامعة. وقد وقف الى يمينه وزيره الأكبر. وفي هذه الساعة دوت من التصفيق والهتاف.
ثم شرع الناس يرددون في صوت واحد. اصبحت يا زعفان ملكنا الجديد العدل والامان ذاك الذي نريد. ثم تقدم الوزير الاكبر وتنحنح ليصقل صوته وقال ايها الناس.
اسمعوا وعوا. لقد فقدنا بالامس رجلا عظيما وهو ملكنا الراحل. تغمده الله برحمته.
ونقف اليوم لنبايع ملكا جديدا لا يقل عنه عظمة. نتمنى من كل قلوبنا ان يكون خير خلف لخير سلف. والان ليصعد الى القصر اعيان البلاد وشيوخ القبائل لتهنئة الملك نيابة عن الشعب كله.
والسلام. عند ذلك بدأ الناس يتفرقون ويعودون الى ديارهم وبيوتهم وهم يهتفون بحياة ملكهم الجديد ومنشدين اعذب الاناشيد. اما زعفان فلا تسأل عن حاله.
فالفرح يكاد يقتله والعظمة بدأت تدب الى نفسه. فلقد صار يأمر وينهى ويتشامخ في مشيته منذ يومه الاول. واما بسام فهو ما زال حائرا متعجبا.
ينتظر بفارغ صبر فرصة الانفراد باخيه ليعلمه بما عزم عليه من مواصلة للرحلة. التي بدأها مع اخويه منذ عدة اشهر. وقد حان هذه الفرصة عندما ناداه الملك وادخله الى احدى غرف قصره.
وقال له في ازدهاء ما رأيك في هذا الشعب المائج كالبحر والمنادي بحياتي. الا تفهم انه يحبني وينزلني اسمى منزل من سويداء القلوب. فاجابه بسام اتمنى ذلك.
لكن المهم بالنسبة لي هو ان اعلمك باني مقر العزم على مواصلة السير وحدي. لاجد كنزي وجدت انت وعنوان كنزيكما. والتمس منك ان تهبني جوادا من خيول مملكتك الاصيلة وبعض الزاد لاستعين بهما على السفر.
نظر اليه اخوه الملك في عطف وقال له ان فراقك ليحزنني كثيرا يا اخي العزيز. وقد فكرت ان اسند اليك منصبا هاما في مملكتي. لكني تأكدت بعد ذلك انك سوف لا تقبله مهما الححت عليك نظرا لرغبتك في مواصلة الرحلة.
اما الزاد فسيكونان مهيئين بعد ساعة واحدة. ثم نادى حاجبه فجاءه مسرعا وقال له امر مولاي. فقال له الملك سيفارقنا اخونا بعد ساعات قليلة.
وسيسافر الى بلد بعيد. ولذلك احضر له من الان جوادا اصيلا وزادا كثيرا ليستعين بهما على السفر. وما هي الا ساعة قصيرة.
حتى كان الزاد والجواد يسهل صهيلا امام ساحة القصر. فركبه بسام بعد ان اصاب شيئا من الطعام. وقبل اخاه وودعه وانطلق به الجواد يركض ركضا وينهب الارض نهبا.
والملك يراقبه من شرفة قصره العالية. وحينما اختفى عن بصره شرع في التحادث مع حاشيته لتصريف امور البلاد. ما زال بسام وهو على ظهر جواده يطوي الارض طيا.
ولقد مضى فراقه لاخيه الملك اكثر من اسبوع لم يسترح خلاله الا ساعات قليلة. فهو تارة منحدر الى واد او متسلق هضبة. وطورا سائر بين اشجار كثيفة متشابكة.
لا يوقف حصانه المكتود الا ليسقيه من غدير يعترضه او ليتركه يرعى في بقعة خصبة من الارض. او لينزل هو فيستريح قليلا ويقتات شيئا ثم يواصل سيره من جديد. وبعد شهر كامل وصل بسام الى قرية صغيرة قليلة السكان.
وقد شعر بالتعب الشديد ولاحظ ان الارهاق قد اخذ من حصانه مأخذا عظيما. فقرر ان يستريح هناك يوما ثم يتابع رحلته بعد ذلك. وعند وصوله الى اهل القرية استضافه احدهم.
ونحر له ناقة واكرم مثواه. ومن ركب جواده ووصل طريقه واخذ يطوي الارض طيا. وبعد مسير يومين ابصر من بعيد حدائق غناء.
فيها اشجار مثمرة مختلفة وبعض المنازل القليلة. فقصدها ليستريح عند اصحابها بعض الوقت. لكنه ما ان وصل اليها حتى اعجب اعجابا كبيرة بما فيها من اشجار وارفة الظلال ومن جداول جارية.
وعيون بالماء الصافي. اعجب بسام بهذه المناظر الساحرة الخلابة لكنه لم يشاهد احدا في هذا المكان. ثم عرج على تلك المنازل القليلة ونادى ساكنيها بملئ فيه وكم كانت حيرته شديدة عندما لم يجب نداءه احد.
ورأى باحد الابواب ان العنكبوت قد نسجت بعض الخيوط. فعلم من فوره ان هذه الديار مهجورة منذ زمن بعيد. لكنه لم السبب.
ثم تقدم مدهوشا وولج منزلا واخذ يجول في غرفه. فلم يجد غير الغبار متراكما على ما فيه من اثاث قليل وخزائن فارغة. وظل بسام طيلة ساعات يفكر في هذه القرية النضرة الجميلة التي لا ينقصها الا البشر.
ثم اخذ يتأمل من جديد هذه السواقي الرقراقة وتلك الاشجار المثقلة باشهى الثمار. وهاتيك الابواب التي بنت عليها العناكب بيوتها. ثم قال في نفسه هذه ارض كريمة معطاء.
ولكن اين اهلها يا ترى? لعلهم فارقوها الى مكان اخر. وهل سيجدون اجمل واخصب من هذه الارض?
على ما يدل نسيج العنكبوت وتراكم الغبار. الا يدلان ان هذه الارض لم تعرف البشر منذ مدة طويلة? ثم تذكر ما وصل الى هذا المكان الا بحثا عن الكنز الثالث.
الذي سيكون من نصيبه وحده. وعند ذلك قال في نفسه مرة اخرى. انا جئت ابحث عن كنز باق الى الابد.
بعد ان رفضت الكنزين السابقين. ترى الا تكون هذه الارض الخصبة. وهذه الحدائق الغناء وتلك الجداول الجارية.
ذلك الكنز المنشود? ان الارض تدر على صاحبها كثيرا من الارباح وهي لا تبخل عليه بما في جوفها من خيرات. فهي بحق لا يفنى ابدا.
ومن الواجب علي ان اعرف كيف استغل هذه الارض. وعلي ايضا ان اشمر عن ساعدي وافنى في خدمتها. فرح بسام بوجوده صفة في هذا المكان.
وشرع في اخراج ما وجده بتلك الغرف من ادوات فلاحية وتوكل على الله. وبدأ في عمله الجديد. وهو مقبل عليه بعزيمة ثابتة وارادة قوية.
لقد كان عند الفجر الباكر ولا ينتهي من عمله الا عند الغروب. وهو تارة يعزق الارض واخرى يخطط مجاري المياه والسواقي. وتورا يقلم الاشجار ويحفر الحفر.
ولم يكن يعينه في عمله المتعب غير الحصان الذي اهداه اياه اخوه الملك منذ شهرين. بدأت امطار الخريف تنزل رذاذا ثم اصبحت هطلة. وقد فكر بسام ان يزرع قسما من ارضه الشاسعة حبوبا لكنه بحث عن البيذار فلم يجد.
فقرر ان يذهب الى تلك القرية القريبة التي نزل فيها بعد فراقه لاخيه زعفان. ليأتي منها بما يحتاج اليه في عمله الفلاحي. وعندما عزم على ذلك ركب جواده وانطلق كالسهم قاصدا تلك القرية.
ولما وصل اليها اخبر اهلها بما رأى في تلك الضيعة الساحرة. وسألهم عن سبب خلوها من الناس. فاجابه الشيوخ بانها كانت ملكا لثلاث عائلات غنية.
كان افرادها متعلقين اشد التعلق بارضهم باذلين جهدهم لاستغلالها والانتفاع بخيراتها. وظلوا يحيون حياة امنة راضية الى ان انتشر بينهم وباء فتاك فهلك اغلبهم. ولم يبقى منهم الا القليل.
وعند ذلك قرر اولئك الذين نجوا من الموت ان يرتحلوا الى مكان اخر. ولذلك صارت منازلهم وحقولهم بعدهم قفرا. ثم بسام انه استوطنها وبدأ العيش فيها.
فاعجبوا به واكبروا به حبه للارض وتعلقه بها. وعرضوا عليه مساعدتهم اياه في كل ما يعجز عنه. فشكرهم على ذلك واكتفى باقتراض كيس من الحبوب ليزرعه في ارضه الجديدة.
فلبوا طلبه في الحين وقفل راجعا الى ضيعته. وما هي الا اعوام قلائل. حتى اصبح بس فلاحا شغوفا بارضه متعلقا بها.
وقد اكتسب الى ذلك خبرة واسعة بشؤون الفلاحة. لكنه كان يتبرم من انفراده ومن عزلته عن الناس. وكان يتردد على تلك القرية القريبة منه حتى صار معروفا لدى سكانها.
وكثيرا ما حدثهم عن عيشته. وافضى لهم بكل ما يقاسيه من وحشة وقلق في ذلك المكان المنعزل. لحاله وعرضوا عليه الزواج من احدى بناتهم فقبل ذلك.
وفي ايام قليلة اصبح بسام زوجا لاحدى الفتيات الصالحات المعروفات بحبهن للعمل وقدرتهن على مشاركة الرجال فيه. وفي هذا الوقت وجد بسام من يؤنسه ويطرد وحشته وينهض معه باعباء الفلاحة. وظل بسام يعيش في ارضه الخصبة.
عيشة هانئة راضية مع زوجته النشيطة المخلصة. الى ان رزقهما الله بغلام ثم اخر. وبمرور الايام والاعوام.
كبر هذان الولدان واشتد عودهما. واصبحا يشاركان ابويهما في خدمة الارض. وقد تعلما من ابيهما التفاني والكد والاكتساب وحب الارض.
وشيئا فشيئا. استطاع بسام بمساعدة ابنيه وزوجته ان يشتري بعض ابقار والخيول والكثير من ادوات الفلاحة. الى ان اصبح فلاحا كبيرا وصاحب ثروة طائلة.
يحيى حياة ملؤها السعادة والوئام مع زوجته وابنيه في ارضه الخصبة التي لا تبخل عليه بخيراتها. عندما لا يبخل عليها بالعمل المتواصل. ارتحل الشتاء برياحه الهوجاء وبرده القارص.
واقبل فصل الربيع بطقسه المعتدل وسمائه الصافية واكتست الارض حلة سندسية ناضرة شاة بمختلف انواع الزهور والرياحين. وفي يوم رائق في هذا الفصل البديع. استرقى بسام على الكلأ الاخضر وشرع ينظر باعجاب الى ابقاره الوديعة التي ترعا على مقربة منه.
والى ابنيه الذين كانا منهمكين في قلع بعض الاعشاب الطفيلية. وفجأة لمح من بعيد رجلين غريبين يتقدمان نحوه بخطى متباطئة. وقد اخذ منهما التعب ماخذا شديدا.
وعند ذلك نهض بسام لاستقبالهما ولما وصلا اليه طرحا عليه السلام بصوت خافت متهدج. فرد عليهما التحية ودعاهما الى الجلوس بجانبه. فتهالكا على الارض من شدة التعب ثم قام بسام مسرعا واتى لهما بقدحين كبيرين مليئين بلبن لذيذ.
فتناول كل منهما قدحا وشربه دفعة واحدة من شدة العطش. ثم قاما لهما خروفا من خرفانه العديدة وامر زوجته باحضار طعام الغداء لهذين الزائرين الغريبين. وبعد ان استراحا قليلا قال لهما بسام.
يظهر انكما غريبان عن هذه الجهة. فالى اي مكان تقصدان. فاجابه احدهما.
نعم. غريبان. اتينا من بلد بعيد باحثين عن عمل.
وقد مررنا في طريقنا بقرية لا تبعد عنك كثيرا. فاخبرنا اهل بان في هذا المكان فلاحا كبيرا ربما يكون في حاجة الى عمال. يساعدونه في عمله ولذلك جئناك ملتمسين تشغيلنا اذا لم ترى مانعا.
فقال لهما بسام الشغل متوفر وانا بحق في حاجة الى عملة كثيرين. ولهذا يمكن لكما من الغد ان تبدأا في عملكما معي. ومن اللازم قبل كل شيء ان اعرف اسميكما على الاقل.
فقال له احدهما لك الحق يا سيدي. انا اسمي علوان. وهذا اخي اسمه زعفان.
فارقنا موطننا الاصلي مع اخ ثالث يقال له بسام بحثا عن كنوز ثلاثة تكهن لنا بالعثور عليها رجل جليل. كان ذلك منذ عشرين سنة يا سيدي. عند ذلك سرت رعشة في جسم بسام وتملكه ذهول شديد فانتفض من مكانه وصاح بملئ فيه.
زعفان وانت عنوان لقد تغيرتما كثيرا انا انا اخوكما بسام ثم ارتمى عليهما واخذا يقبلهما بكل حرارة ودموع الفرحة تنهمر على خديه. وبغتة التفت الابنان فرأيا اباهما وضيفيه في عناق قوي. ولمحا الدموع منحدرة على وجنتيه.
فذهبا مسرعين ليعرفا حقيقة الامر. وعندما مسح ابوهما عبراته بطرف ردائه وقال لهما لعلكما ما زلتما تذكران قصة مجيئي الى هذا المكان وقصة اخوي الذين حدثتكما عنهما. اذا كنتما لم تنسيا ذلك فهذان الرجلان هما اخواي علوان وزعفان.
وكلاهما عم لكما. ثم التفت الى اخويه زعفان وعلوان. وقال لهما انا في شوق الى معرفة ما جرى لكما بعدي.
ماذا فعلت يا علوان بالكنز? وانت يا زعفان بالملك. قال علوان وهو ما زال يبكي.
عندما فارقتماني وصرتما في سبيلكما ظننت اني صرت امير الاغنياء. ولقد استطعت ان ابني قصرا عظيما جعلت فيه من الخدم ما لا اعرف انا عدده. وبمرور الايام تعرفت على جماعة من اهل السوء ظننتهم اصدقاء لي في اول الامر.
لكنهم سرعان ما تآمروا علي وسرقوا كل ما بقي لي من ذلك الكنز. وعندما تفطنت لذلك وجدت اني صرت فقيرا كما كنت من قبل. ولقد كرهت الرجوع الى قريتنا خوفا من العار والفضيحة.
لان اهلها سمعوا بقصتي كلها. وفضلت مواصلة السير علني اجد عملا اخر ارتزق منه بعد ان فرطت في كنزي ولم احسن التصرف فيه. وبعد شهرين التقيت باخي الزعفان الذي قص علي قصته.
ثم قال بسام لاخيه زعفان. وانت ماذا جرى لك بعدي? فاجابه زعفان.
اما انا فبعد ان فارقتني وانطلق يعدو بك الجواد شرعت في الاهتمام بامور مملكتي الصغيرة. ولقد لقبني شعبي بالملك العادل الا انني سرعان ما انحرفت عن الجادة وصرت اميز الغني عن الفقير. واحيانا المظلوم ولا انصفه واحمي الظالم واقف بجانبه.
الى ان بدأ الشعب يكرهني ويحاول الخلاص مني. واخيرا دبروا خطة لقتلي. ولولا احد افراد حاشيتي الذي كان وفيا لي لقتلت شر قتلة.
جزاء ظلمي. وابتعادي عن العدل. ولكني نجوت من الموت باعجوبة.
وفررت من المدينة في الليلة التي قرروا فيها اغتيالي. وعند ذلك اخذت اضرب في الى ان التقيت باخي علوان. فقال بسام ما كنت اظن اني سالقاكما بعد هذا الفراق الطويل.
ولكن الحمد لله الذي جمعنا في هذا اليوم. وعلى كل حال لا تبتأسا وانسيا الماضي. ولكن اتعظا به وخذا منه عبرة ودرسا.
ثم قال له علوان. وانت يا بسام قص علينا ما جرى لك. فاجاب بسام بعد ان سكت برهان.
هل تذكران ذلك الشيخ الذي تكهن لنا بالكنوز الثلاثة? وهل تذكران عندما قال ان اثنين منهما زائلان ومنتهيان بسرعة والثالث باق الى الابد? لقد صدق بقوله فكنزك يا علوان قد انتهى بسرعة كما ذكرت.
وكنزك ايضا يا زعفان قد فقدته في اشهر قلائل واوشكت ان تقتل مع ذلك. اما الكنز الذي كان من نصيبي والذي لا ينتهي ابدا. فهل تعرفان ما هو?
انه هذه ارض التي عمرتها وافنيت السنوات الطوال في خدمتها. اليست افضل من الف كنز من نوع كنزيكما? فقال له سعفان صدقت يا بسام.
ليس كالارض كنز ابدا. اما الاموال الطائلة التي نأخذ منها ولا نضيف اليها والالقاب الفخمة التي نباهي بها ونعتز فهي كالفقاقيع تطفو على سطح الماء. لحظة ثم تختفي.
واما الارض يا بسام فهي كنز الى الابد كما قلت. وهنيئا لك بما حققت. فقال بسام مبتسما.
لقد امنتما ان الارض والتعلق بها اجدى من كل مال وجاه. فهي اذا في انتظار ما ستجودان به عليها من بذل للجهد وتفان في العمل. انا كما عهدتماني طيب القلب اكره الانانية والجشع.
فهذه المنازل فارغة فاسكناها. وهذه الارض فخذا منها ما طاب لكما. وتلك الدواب لكما في كل حين.
المهم ان تعملا وان تبذلا الجهد في خدمة الارض التي هي خير وابقى من الف كنز. فقال علوان لا. نحن لا نريد الانفصال عنك ابدا.
وانما نشاركك في اعمالك. ولتبقى الارض واحدة. والانتاج واحدا.
فلا احب الى نفسي من ضم الجهود والتعب. استحسن بسام فكرة اخيه وقال مبتسما انت على صواب يا علوان ليس هناك افضل من التعاون والتعاضد. فنحن من الان اخوة سواسية.
ارضي ارضكما وانتاجها لي ولكما على حد سواء. اما الان فهلم بنا الى تناول طعام الغداء. فزوجتي في انتظاركم.
وهكذا التقى الاخوة الثلاثة بعد فراق دام عشرين سنة. وقد جمعهم جديد. حب الارض التي هي خير وابقى من كل كنز.
انتهت الحكاية. انتهت الحكاية.